محمد بن جرير الطبري

210

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وكما قال حسان : فنشربها فتتركنا ملوكا * وأسدا ما ينهنهنا اللقاء وأما منافع الميسر فما مصيبون فيه من أنصباء الجزور ، وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور ، وإذا أفلج الرجل منهم صاحبه نحره ، ثم أقتسموا أعشارا على عدد القداح ، وفي ذلك يقول أعشى بني ثعلبة : وجزور أيسار دعوت إلى الندى * ونياط مقفرة أخاف ضلالها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : المنافع هاهنا ما يصيبون من الجزور . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط عن السدي : أما منافعهما فإن منفعة الخمر في لذته وثمنه ، ومنفعة الميسر فيما يصاب من القمار . حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ قال : منافعهما قبل أن يحرما . حدثنا علي بن داود ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ قال : يقول فيما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها . واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأه عظم أهل المدينة وبعض الكوفيين والبصريين قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ بالباء ، بمعنى : قل في شرب هذه والقمار هذا كبير من الآثام . وقرأه آخرون من أهل المصرين ، البصرة والكوفة : " قل فيهما إثم كثير " بمعنى الكثرة من الآثام ، وكأنهم رأوا أن الإِثم بمعنى الآثام ، وإن كان في اللفظ واحدا فوصفوه بمعناه من الكثرة . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بالباء قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ لإِجماع جميعهم على قوله : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وقراءته بالباء ؛ وفي ذلك دلالة بينة على أن الذي وصف به الإِثم الأَول من ذلك هو العظم والكبر ، لا الكثرة في العدد . ولو كان الذي وصف به من ذلك الكثرة ، لقيل وإثمهما أكثر من نفعهما . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما يعني بذلك عز ذكره : والإِثم بشرب هذه والقمار هذا ، أعظم وأكبر مضرة عليهم من النفع الذي يتناولون بهما . وإنما كان ذلك كذلك ، لأَنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض وقاتل بعضهم بعضا ، وإذا ياسروا وقع بينهم فيه بسببه الشر ، فأداهم ذلك إلى ما يأثمون به . ونزلت هذه الآية في الخمر قبل أن يصرح بتحريمها ، فأضاف الإِثم جل ثناؤه إليهما ، وإنما الإِثم بأسبابهما ، إذ كان عن سببهما يحدث . وقد قال عدد من أهل التأويل : معنى ذلك وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما قال : منافعهما قبل التحريم ، وإثمهما بعد ما حرما . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر عن الربيع : وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ينزل المنافع قبل التحريم ، والإِثم بعد ما حرم . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : أخبرني عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما يقول : إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل التحريم . حدثني علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما يقوله : ما يذهب من الدين والإِثم فيه أكبر مما يصيبون في فرحها إذا شربوها . وإنما اخترنا ما قلنا في ذلك من التأويل لتواتر الأَخبار وتظاهرها بأن هذه نزلت قبل تحريم الخمر والميسر ، فكان معلوما بذلك أن الإِثم الذي ذكر الله